السيد كمال الحيدري
279
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وإلى عدم هذا الوجود . فأصل وجوده خير وعدم هذا الوجود يعدّ شرّاً ، وهذا من المصاديق الواضحة عند الإنسان . يقول أحد الباحثين منوّهاً لهذا الإطار في تحديد الخير والشرّ : « لا شكّ أنّ ما يؤدّى إلى اعتبار الإنسان شيئاً ما خيراً أو شرّاً لنفسه هو المطلوبية وعدم المطلوبية . أي كلّما وجد شيئاً يتّفق مع رغباته الفطرية سمّاه خيراً ، وأينما لاحظ شيئاً مخالفاً لرغباته الفطرية سمّاه شرّاً . وبعبارة أخرى : لانتزاع مفهوم الخير والشرّ لابدّ له في الوهلة الأولى من المقارنة بين رغبته والأشياء ، فإن وجد علاقة إيجابية عدّ ذلك الشئ خيراً ، وإن لاحظ أنّ العلاقة سلبية اعتبر ذلك الشئ شرّاً » « 1 » . لاشك أنّ هناك مجموعة من الأمور التي ترجع إلى بقاء هذه الذات وهذا الوجود ، وإلى كمالات هذا الوجود الإنسانى ، كما أنّ هناك مجموعة من الأمور التي ترجع إلى نواقص هذا الوجود وعيوبه . في هذا الضوء يمكن الرسوّ على مفهوم واضح للخير والشرّ ، يفيد أنّ الخير هو كلّ شئ مطلوب للإنسان ، والشرّ هو ما ينفر عنه الإنسان . لكن ثَمَّ تساؤل يُثار على هذا الصعيد فحواه : كيف يصار للتمييز بين ما هو خير وشرّ حقيقىّ عمّا هو خير وشرّ غير حقيقىّ ؟ فقد يكون الأمر مجرّد وهم ، كما يمكن أن يكون ما نتصوّره خيراً أو شرّاً ليس خيراً أو شرّاً حقيقيّاً بالنسبة إلى الإنسان ، خاصّة وأنّ القرآن يومئ إلى مثل هذا الالتباس الذي ينجرّ إليه الإنسان في قوله سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ « 2 » . هذه من الحقائق القرآنية التي يصدقها واقع الحياة الإنسانية . فقد يتصوّر
--> ( 1 ) المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، محمّد تقى مصباح اليزدي ، ترجمة محمّد عبد المنعم الخاقاني ، ط . مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1409 ه ، ج 2 ، ص 485 . ( 2 ) البقرة : 216 .